سيد محمد طنطاوي

114

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقصة لوط - عليه السلام - قد وردت في سور متعددة ، منها : سور الأعراف ، وهود ، والشعراء ، والنمل ، والعنكبوت . . . ولوط - عليه السلام - هو - على الراجح - ابن أخي إبراهيم - عليه السلام - ، وكان قد آمن به وهاجر معه إلى أرض الشام ، فبعثه اللَّه - تعالى - إلى أهل سدوم . وهي قرية بوادي الأردن وكالوا يأتون الفواحش التي لم يسبقهم إليها أحد . . وقوله - تعالى - * ( كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ) * أي : كذبوا بالإنذارات والتهديدات التي هددهم بها نبيهم لوط ، إذا لم يستجيبوا لإرشاداته وأمره ونهيه . . . . فكانت نتيجة هذا التكذيب والفجور الذي انغمسوا فيه الهلاك والدمار كما قال - تعالى - : * ( إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً . . . ) * . والحاصب : الريح التي تحصب ، أي : ترمى بالحصباء ، وهي الحجارة الصغيرة التي تهلك من نصيبه بأمر اللَّه - تعالى - . فقوله : * ( حاصِباً ) * صفة لموصوف محذوف وهو الريح ، وجئ به مذكرا لكون موصوفه وهو الريح في تأويل العذاب ، أي : إنا أرسلنا عليهم عذابا حاصبا أهلكهم . . والاستثناء في قوله - سبحانه - : * ( إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ) * استثناء متصل ، لأنهم من قومه . والسحر : هو الوقت الذي يختلط فيه سواد آخر الليل ، ببياض أول النهار وهو قبيل مطلع الفجر بقليل . أي : إنا أرسلنا عليهم ريحا شديدة ترميهم بالحصباء فتهلكهم ، إلا آل لوط ، وهم من آمن به من قومه ، فقد نجيناهم من هذا العذاب المهلك في وقت السحر ، فالباء في قوله * ( بِسَحَرٍ ) * بمعنى « في » الظرفية . أو هي للملابسة ، أي : حال كونهم متلبسين بسحر . وقوله - تعالى - * ( نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا . . . ) * علة الإيحاء ، والنعمة بمعنى الإنعام ، أي : أنجينا آل لوط من العذاب الذي نزل بقومه على سبيل الإنعام الصادر من عندنا عليهم لا من عند غيرنا . وقوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ) * بيان لسبب هذا الإنعام والإيحاء . . أي : مثل هذا الجزاء العظيم ، المتمثل في إيحائنا للمؤمنين من آل لوط وفي إنعامنا عليهم . . نجازي كل شاكر لنا ، ومستجيب لأمرنا ونهينا . فالآية الكريمة بشارة للمؤمنين الشاكرين حتى يزدادوا من الطاعة لربهم ، وتعريض بسوء مصير الكافرين الذين لم يشكروا اللَّه - تعالى - على نعمه .